الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

234

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و عَلى استعارة تبعية للملابسة والتمكن . وقوله : عَلى آثارِهِمْ خبر ( إنّ ) . و مُهْتَدُونَ خبر ثان . ويجوز أن يكون عَلى آثارِهِمْ متعلقا ب مُهْتَدُونَ بتضمين مُهْتَدُونَ معنى سائرون ، أي أنهم لا حجة لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آبائهم ، وذلك ما يقولونه عند المحاجّة إذ لا حجة لهم غير ذلك . وجعلوا اتّباعهم إياهم اهتداء لشدة غرورهم بأحوال آبائهم بحيث لا يتأملون في مصادفة أحوالهم للحق . [ 23 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 23 ] وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) جملة معترضة لتسلية النبي صلى اللّه عليه وسلّم على تمسك المشركين بدين آبائهم والإشارة إلى المذكور من قولهم : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [ الزخرف : 22 ] ، أي ومثل قولهم ذلك ، قال المترفون من أهل القرى المرسل إليهم الرسل من قبلك . والواو للعطف أو للاعتراض وما الواو الاعتراضية في الحقيقة إلا تعطف الجملة المعترضة على الجملة التي قبلها عطفا لفظيا . والمقصود أن هذه شنشنة أهل الضلال من السابقين واللاحقين ، قد استووا فيه كما استووا في مثاره وهو النظر القاصر المخطئ ، كما قال تعالى : أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [ الذاريات : 53 ] ، أي بل هم اشتركوا في سببه الباعث عليه وهو الطغيان . ويتضمن هذا تسلية للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم على ما لقيه من قومه ، بأن الرّسل من قبله لقوا مثل ما لقي . وكاف التشبيه متعلق بقوله : قالَ مُتْرَفُوها . وقدم على متعلّقه للاهتمام بهذه المشابهة والتشويق لما يرد بعد اسم الإشارة . وجملة إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها في موضع الحال لأن الاستثناء هنا من أحوال مقدّرة أي ما أرسلنا إلى أهل قرية في حال من أحوالهم إلا في حال قول قاله مترفوها : إنا وجدنا آباءنا إلخ . والمترفون : جمع المترف وهو الذي أعطي الترف ، أي النعمة ، وتقدم في قوله تعالى : وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ في سورة الأنبياء [ 13 ] .